RSS Feed

Monthly Archives: October 2014

عندما قرّرتُ أن أبتسم…

في خيالاتي الواسعة.. كان يعيش شبحٌ كبير.. كبير لدرجة أنه كان يحتلّ خيالاتي كلّها، و لا تكاد تكفيه

كان شبحاً “وسيماً”… يملك ابتسامة ساحرة، و ينطق بكلام معطّر. كان يصغي لأفكاري التي يشاركها السكنى في نفس العالم. و كان يفهمها جيداً، و يمدحها على الدوام

كان ذلك الشبح “صديقاً” حقيقياً… أجده بجانبي كلما احتجت إليه. و دون أن أستدعيه. كان يحتويني، و يواسيني. و لم أكن أشعر بالارتياح إلا حين أدرك أنني أمتلك بالفعل صديقاً أعتمد عليه و أثق به

منذ أن يرنّ منبهي الصباحي، و أفتح عينيّ للحياة مجدداً. و أدرك أن الكثير من العمل و التعب و الملل بانتظاري اليوم، كان يزورني و يشجّعني قائلاً: هذا اليوم سينتهي و ستتغلبين على كل مشاكلك

عندما أسير في الشارع، و أرى الناس بأخطائهم التي لا تنتهي. بتصرفاتهم الغبية. أو اللئيمة. كان يظهر و يقول: لا بأس، تعاملي معهم على قدر عقولهم. و قابلي تصرفاتهم بأفضل منها. ثم عودي إلى البيت و انتقديهم عبر شبكات التواصل

عندما كنت أمشي على الأرصفة المكسّرة. و في الطرق المعتمة. و أستقلّ سيارات الأجرة المقرفة. و أمرّ بمناطق قذرة. كان يظهر و يقول: لا بأس، يوماً ما ستعيشين في مكان أفضل

عندما كنت أجلس قبالة جهاز الكمبيوتر الخاص بالعمل. منذ الثامنة صباحاً و حتى السادسة مساءً. و أستنفد كل ما أملك من طاقة و رغبة و حماس. و أشتهي القيام بنشاطات أخرى خارج هذا المكان. كان يظهر و يقول: أنتِ تستحقين وظيفة أفضل. لا توقفي البحث عنها حتى تجديها

عندما كنت ألقى من أخوتي الصغار قلة التقدير و الاحترام. و أجد نفسي وحيدةً و تعيسة وسط عائلتي الكبيرة. كان يظهر و يقول: قريباً ستتركين هذا البيت و ستعيشين في مملكتك الخاصة

لقد كان شبحاُ رائعاُ حقاً. لكنني لم أكن سعيدة أبداً

كنت “أنتظر” السعادة بشغف. كنت أعيش يومي فقط لأنه كان يقرّبني من الغد. و أعيش غدي فقط لأنه يقرّبني من بعد غد

كنت “أتمنى” حياة أفضل. وكنت أمتلك “أحلاماً” و “خططاً” و “تصورات” لما ستؤول إليه حياتي بعد أن تتغير

كنت أملك الكثير،، الكثير… من الهموم

و لم أتذكر أثناء ذلك أن أبتسم -و لو لمرّة واحدة- أن أبتسم من تلك النقطة

!!!

كلّكم تعرفون تلك النقطة. الواقعة عميقاً عميقاً داخل أرواحنا. تحيط بها “أشياء” عديدة. عضلات و عظام. و أحداث حياة تتسارع. و تقودنا بعيداً عن تلك النقطة

كلّكم تعرفون تلك النقطة. التي هي مركز أحاسيسنا. التي إن لمسها شيء ما. فإنّ كياننا يتزلزل. كليّاً. و التي إن تزحزحت مرة واحدة فإن الأمور لا تعود إلى سابق عهدها. إطلاقاً

كلّكم تعرفون تلك النقطة. و أكاد أجزم أن جميعنا قد تعرّف عليها من خلال “ألمٍ” ما

و لكن…

هل فكرتم فيما قد يحدث لو دغدغت تلك النقطة ابتسامة صغيرة؟

أعلم أن كلاماً كهذا لا يؤخذ عادة على محمل الجدّ

و أعلم أنني سأقرأ كلماتي هذه في وقت لاحق، و أعلّق: ما هذا الغباء

و لكنني حينها سأكون قد استرجعتُ “صديقاً”… ما.

أما الآن و بعد أن طردتُ ذلك الصديق من خيالاتي الخاصة

فأنا أشعر براحة غريبة

أتقبّل حياتي كما هي. أعلم أنها ملآى بالمنغّصات. و إنما أنا أريد فقط أن أشعر بالسعادة. اليوم. الآن

أعرف تماماً أنني مع الوقت. سأغدو أكثر غباءً و أقلّ إدراكاً. و أنني سأتوقف عن مناقشة الأمور “المهمّة”. و أن اهتماماتي ستغدو سخيفة و غير ذات جدوى. و لكنني سأكون قد حققتُ حلم كل الأشخاص “المهمّين” و “الجديين”

أحبّ نفسي كما أنا. أعلم أيضاً أنني بعيدة كلّ البعد عن الكمال في كل الجوانب. لكنني سعيدة بنفسي. سعيدة بإنجاز واحد على الأقل. و هو أنني تمكنت من طرد ذلك الشبح من تفكيري. سعيدة بحريّتي. أشعر الآن أن خيالاتي واسعة فعلاً، و ستتسع لأشياء كثيرة. لأفكار أطبقّها اليوم.. تجعلني أشعر بسعادة، تكاد تقترب من تلك النقطة

أغضّ طرفي عن العالم. و عن الناس. فما كنت أنتظره لن يحدث أبداً

أنا فقط لم أعد مهتمّة إن كان الشخص الذي أمامي يحبني لذاتي أم أنه منافق. لم أعد مهتمة إن كان شارعنا معبّداً أم أن الجهات المسؤولة لن تكترث به يوماً. لم يعد أيّ أمرٍ أو شخصٍ في الحياة سبباً في إكسابي همّاً جديداً

و لكن بالمقابل.. فأنا أقتنص الفرح عن بُعد ألف ميل

فأيّ شخص أو حدث صغير أو كبير قادر على رسم الابتسامة على وجهي

لقد توقفتُ عن التفتيش على خطايا الناس. و تحولت إلى التفتيش على ابتساماتهم التي تبثّ الروح في الجمود، و على بريق أعينهم الذي يثبت أنهم على قيد الحبّ. و على وقفاتهم الجميلة و تصرفاتهم الرقيقة. التي لم أعد أحللها و أدخل في أعماق نواياهم فيها. و إنما آخذها على ظاهرها و بساطتها و سذاجتها. و أبتسم

life.jpg