RSS Feed

“رَئيسُ الوُزَراءِ الجَائِر، و المَلِكُ العَطُوف”

كان يا ما كان في قديم الزّمان خلف سبع جبال و سبع بحار كان هناك بلدٌ صغير يعيش فيه أناسٌ طيّبون و يحكمهم ملكٌ عادلٌ و حنون.

في أحد الأيام أصابَ الملك صداعٌ عظيم حالَ بينه و بين قدرته على القيام بأعباء الحكم، فالدّواء الّذي يتناوله لتهدئة الصّداع يؤدي به إلى نوٍم عميق قد يستمرّ لأيّام. و نظراً لحرص الملك على مصالح شعبه و خوفه على تعطّلها فقد استقرّ على تعيين رئيسٍ للوزراء يتابعُ أحوال الشعب و يملك سلطةً مطلقة في إصدار القرارات و القوانين الّتي من شأنها أن تيسّر أعمالهم.

و لمّا اختار الملك رئيس وزرائه بناءً على كفاءته السّياسية، و امتداد سيرة عمله و عطائه في سائر الميادين و المواقع و تحلّيه بالإيثار و التضحية و نكران الذّات، و تغليب المصلحة الوطنيّة على كلّ المصالح و الاعتبارات، فقد صار يأخذ دواءه و يغرق في نومه مرتاح الضّمير.

أما رئيس الوزراء الفطِن فقد كان يركن لنوم الملك حتى يمارس كافّة أنواع الظّلم و الضغوطات على الشعب المسكين الّذي لا يملك إلا أن يتلقّى القوانين و ينفّذها.

و هكذا عاش النّاس بين تدبيرٍ لشؤونهم تأقلماً مع قرارات اليوم و بين رعبٍ حقيقيّ ممّا قد تحملُه قرارات الغدّ، ففي كلّ يوم هناك أمرٌ جديد بغلاء سعر سلعةٍ ما أو بتضييق حريةٍ أو حقٍّ من حقوق المواطنين.

هذا و قد كان كلُّ ما في الدّولة يبرّر تصرفات رئيس الوزراء و يُظهره بمظهر المغلوب على أمره الّذي لا يصدر القرارات إلا مضطراً نظراً للظروف الاقتصادية العالميّة و الضغوطات الخارجية، فالإعلام كان يخشى الحُكومة و كثيراً ما كان يتعدّى الخوف إلى التصفيق و التشجيع. و حرية التّعبير كان تتوقّف بمجرّد أن تمسّ أو تقترب من رئيس الوزراء أو أحد المسؤولين الكبار، أمّا مجلس النّواب المُنتخَب من الشعب نفسه فقد تحوّل أيضاً إلى مرتعٍ للمفسدين الّذين لا تهمّهم سوى مصلحتهم الشّخصية متناسين –أو ناسين بالفعل- دورَهم بإيصال آراء الناس و رغباتهم إلى السُّلطة.

و استمرّ هذا الحال إلى أحد الأيّام الّذي استيقظ فيه النّاس على قرارٍ آخر بارتفاع الأسعار، و لم يكن الأمر غريباً عليهم فقد اعتادوه، الغريب أن وسائل الإعلام ذاتها التي كانت تبرّر هكذا قرارات أضحت اليوم تستنكر هذا القرار بالذّات و كأنه لم يصدر من قبل عشرات المرّات، و بدأ الإعلاميّون يخاطبون رئيس وزرائهم بلهجةٍ عنيفة عبر الإذاعات و يطالبونه بالعدول عن قراره،  كما أخذوا يشجّعون الناس على الاعتصام في الشوارع و تنظيم التّجمعات و المظاهرات للمطالبة بإعادة الأسعار إلى حالها قبل هذا القرار الأخير بالذّات.

ليس هذا و حسب، بل إنّ مجلس النّواب المتواطئ مع الحُكومة طوال فترة تكوّنه قرّر اليوم التّخلي عنها و تشكيل اعتصام خاصّ يعبّر فيه عن رفضه لقرارها الجديد، و تأييده لمطالب الشعب.

أمّا الناس فقد نسَوا دهشتهم لردّ الفعل الغريب العَلنيّ، و انضمّوا إلى الاعتصامات الّتي ملأت شوارع البلاد و كأنّه القرار المُسيء الأول، أو كأنّه سيكون الأخير.

في اليوم التالي استفاق الملك، وأطلّ من شرفته ليجد شعبَه كلّه معتصماً في الشوارع يحملُ اللّوحات المطالِبة بخفض الأسعار.

غضِب الملك لغضب شعبه و سارع بإصدار قرارٍ يلغي قرار رئيس وزرائه الأخير و يقضي بإعادة الأسعار إلى ما كانت عليه، قبل القرار.

فرح الناس لما قام به الملك المُنقذ و تهلّلوا و ردّدوا الأغاني “الملَكيّة” و نظّموا المزيد من المسيرات و لكن في هذه المرّة كانت مسيرات شكر و تقدير و ولاء عبّروا فيها عن انتمائهم و امتنانهم للملك على استفاقته من نومه، و عودته لأداء وظيفته و هي نصرة شعبه و الوقوف معه.

و لكن … لم يخطر ببال أحدهم أن يسأل الملك عن  أخبار الصّداع!

Advertisements

About Yasmin Badran

Software Developer

2 responses »

  1. Haitham Al-Sheeshany

    عندي “بوح” كثير
    و لكنني سأحجم

    عجبتني الإشارات الواضحة

    و الجليّة

    *thumbs up , veeeeeeeeeery up*

    Reply
  2. smart, amazing a usual! Alla y7miki 7bibti! u rock!

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: