RSS Feed

Monthly Archives: July 2012

ابتلاءات

كنت أظن أن الحكمة من أي بلاء يلحق بنا هي اختبارنا و حسب، مؤمنةٌ أنا بأن الحياة الدنيا إنما هي ورقة امتحان، كلُّ موقف نمرّ به هو سؤال جديد يطرحه الله –سبحانه و تعالى- علينا مقدّماً لنا عدة اختيارات كلّها توصل لحلٍّ ما، واحد منها فقط .. صحيح.

الفرق بين الامتحانات “الرّبانية” و الامتحانات التي اعتدنا عليها هي أن الخالق و العليم و الخبير يرافقنا أثناء طرحه للسؤال و أثناء تفكيرنا بالإجابة و حيرتنا بين الاختيارات المتعددة و أثناء اختيارنا للحلّ الذي “رأيناه” صحيحا. الفرق أيضا أن بإمكاننا في أي لحظةٍ ندرك فيها سوء اختيارنا أن نتراجع عنه و نعدّل إجابتنا بما “آمنّا” أنه أصحّ ما سيوصلنا إلى العلامة الكاملة، الجنّة.

كنت أظن أن الابتلاءات هي وسيلة الله –عزّ و جلّ- لوضعنا على مفترق الطريقين، الصبر و الكُفر حتى يتحقق العدل و يأخذ كلٌّ منا الجزاء الذي يستحق. و لكنني أدركت مؤخراً أن الله لا يمكن أن يكون عظيماً دون أن يكون رحيماً، و لا يمكن أن يكون جباراً دون أن يكون رحيماً، و لا يمكن أن يكون عادلاً أيضاً دون أن يكون رحيماً.

لكل ابتلاء نمرّ به نحن البشر –الضعفاء، الجهلة و قليلو الحيلة- عدة مراحل أوّلها فقط هو الاختبار و ما تبقى هو الرحمة من الرحمن و الحياة بأكملها للإنسان. فكلّما ابتُلي ابن آدم بمرضٍ أو فقدٍ أو غيرها من أنواع الابتلاءات كان له هذا البلاء مفتاحاً و سبيلاً و استمراراً للحياة بشكل آخر غير الذي كان عليه قبل أن يُبتلى.

الحياة تسير بنسق معين، الكثير من الأمور نتشابه بها جميعاً، كالقدرة على الإبصار مثلاً، و كلّ من لا يمتلك هذه القدرة يُعتبر “مختلفا” بطريقةٍ ما لأن هذا الأمر “الطّبيعي” لا يتوافر لديه.

كل شخص كفيف هو شخص “مُبتلى”، و هو أيضا شخص “مختلف”، إذا صبر على ابتلائه و شكر الله عليه سوف ينال رضا الله لأنه نجح في الاختبار، و إذا آمن بأن “اختلافه” عن أغلب الناس هو اختلاف إيجابي و انطلق في حياته متأقلماً مع ما ابتلاه الله به، لا بل و مستخدماً إياه في سبيل طاعة الله سوف يرفعه هذا البلاء درجة عن الناس “الطبيعيين” و سيكون اختلافه تميّزاً، لا عجزاً.

من “رحمة” الله عز و جل أن “رزق” كلا منا بلاء أو أكثر لأنه يريد أن يميز كلا منا عن الآخرين – هذا إن استغل كل منا بلاءه بالطريقة السليمة.

سوف تأتي أوقات نضعف فيها و ننسى، ربما نجهش بالبكاء و ربما نستنكر على الله أن خصّنا بهذا الابتلاء دون سوانا، سنسأله و نحن في أقصى “بشريّتنا”: لماذا يا رب؟ لماذا أنا بالذات؟ لماذا الآن بالذات؟ … و لكن بعد ذلك علينا أن نصحو بأسرع وقت، أن نتخلص من ضعفنا البشريّ، و نستمد قوّتنا من الله،و أن نتذكر بأنه –سبحانه- لم يبتلينا إلا رحمةً بنا، هو الذي خلقنا و هو الأخبر أن هذا البلاء بالذات هو ما سيجعلنا أفضل، و ربما في زمان آخر و مكان آخر يكون هذا البلاء “بالذات” هو خلاصنا حين نبحث عن دليل برائتنا فلا نجد سوى:

يا رب، كنتَ قد حرمتني البصر و صبرت، و رغم أنني لم أرَ يوما حروف القرآن الكريم إلا أني حفظتها غيباً و “تميزتُ” عن كل من رآها و لم يحفظها.

عندها، قد نتمنى لو كانت حياتنا ملآى بالابتلاءات و لم يك فيها شيء واحد “طبيعيّ”!