RSS Feed

Monthly Archives: May 2012

لا قَيْس وَ لا لَيْلى

في ليلة واحدة على الأقل من كل أسبوع و بُعيد تناوله طعام العشاء تأتي له “الحجّة” بقدح من الشاي، تضعه أمامه، تسعل و توجّه نظرتها الذابلة المتعبة مباشرة نحو عينيه و تقول: أخشى أن يأخذ الله أمانته قبل أن أرى أولادك يا ابني.
في العادة ينتهي الموقف بجملة: بعيد الشر عنك يا أمي، أطال الله في عمرك و أدام عليك الصحة، و لكن في هذه المرة قرر صاحبنا أن يتحلى بالشجاعة و يجيبها: إذن، لم لا تبدئين البحث عن بنت الحلال؟
وبالطبع انتهى المشهد، بزغرودة!

هو … في يوم ما قبل ثلاث سنوات التقى بـ ليلى، و عرف في اللحظة نفسها أنه لا يريد سواها، و في كل يوم تلا ذلك اليوم كان يتأكد من رغبته هذه.
ليلى التي نبّهته إلى جزء مهم في هذه الحياة، لم يكن ليتمكن من رؤية الجمال في كلّ شيء.. لولاه، الروح.
كانت روحها هي أول ما زحزح فؤاده الذي كان جاثما كصخرة في صدره، و كلما كان يتعرف عليها أكثر كان فؤاده يمسي أكثر رقة و حنوّا، و بالتالي هو لم يحاول منع نفسه عن التعلّق بها على الرغم من أنها أخبرته منذ صارحها بحقيقة مشاعره أنها تميل إلى زميلٍ لهما عرف صاحبنا فيما بعد أنه يحب فتاة أخرى و لكن هذه الفتاة تحب رجلاً آخر و … و بما أنه لم يكن معنيّا بأحد من هؤلاء جميعا سوى ليلى … فقد ظل يفكر فيها و يحاول إقناعها بأنه الأقدر على إسعادها، لكن … عبثاً.

هو … قرر أن يتزوج كي يسعد والديه و يحافظ على اسم عائلته، و ربما لأن هذا ما يفعله كل الشباب في مثل عمره … و هو –بالطبع- لن يكون استثناءً.
هو … قرر أن يتزوج فتاة سيتعرف عليها أثناء اعتنائها ببيته و تربيتها لأولاده، و ما الضير في ذلك إذا كانت فتاة محترمة و ابنة عالم و ناس؟

***************************************************************************************************
كلما رن جرس الهاتف الأرضي في البيت خفق قلبها جزعاً، ففي الغالب تكون هذه الرنة حجزاً لموعد جديد مع سيدة أو أكثر من الغرباء الذين ستقضي برفقة سيرة ابنهم الذاتية بضعة أيام لا تخلو من التوتر و الترقب.
عندما وضعت والدتها سماعة الهاتف بعد انتهاء المكالمة توجهت نحوها: غداً سيأتون لرؤيتك. مهندس في السابعة و العشرين، من بيت فلان، من طرف زوجة خالك… أعطه فرصته.
هزت برأسها دون أن تنطق بكلمة، و شعرت بانقباض في قلبها لم تفكر في الشكوى منه ربما لاعتقادها بأن أحداً لم يعد يصدقها.
هي … سبق و أن قابلت قيس، الرجل الذي جمع كل ما تريده في شريك حياتها، كلّ ما فيه كان مقنعاً لها بطريقة أو بأخرى، كلّ خصلة من خصاله –حتى التي يراها الناس سيئة- كانت متيمة بها، كلّ تفصيل من تفاصيل وجهه التي لم تملّ يوما من تأمها، كانت معجبة بها.
و حتى حين أدركت أن أكثر صفاته إثارة لإعجابها هي ما سوف تبعده عنها، ازداد إعجابها به أكثر.
إحساس قيس بالمسؤولية تجاه إخوته و والدته، و تكفله بهم شكل حاجزا قويا يمنعه عن الارتباط بفتاة لن يتمكن من منحها المستوى الذي تستحقه من العيش.
هي … قررت أن توافق على المتقدم الجديد، لأنها لا تريد أن تبقى مصدرا لقلق والديها، و لأنها تخشى الوحدة التي صارت تتضاعف في الفترة الأخيرة بعد أن بقيت العزباء الوحيدة بين رفيقاتها، و لأنها سئمت كل الأسئلة السخيفة التي لم يكف الأقرباء و الجيران و الأصدقاء عن طرحها: متى سنفرح فيكِ؟ متى سنراك في الفستان الأبيض؟ متى و متى؟؟
و في النهاية هي لن توافق إلا إذا تأكدت أنه شاب محترم و ابن عالم و ناس.

***************************************************************************************************
في يوم زفافهما، كانا خائفين، و لكنها كانا يبتسمان، بصدق. و كل منهما كان يفكر:

الحياة تتطلب الكثير من القوة و الصبر، و التفاهم ربما، و لم يذكر أحد أنها تتطلب تلك الشعلة التي تتّقد في الروح فتهديها الكون كله في عينيّ فتاة أو في بسمة شابّ.. ربما كان شعورا جميلا .. لكن الحياة، كل الحياة تسير … دونه…