RSS Feed

دُوْخَة

–  كثُرت التساؤلات و تعددت الاحتمالات لهذا الدّوار الذي استقرّ في رأسي و لم يفارقه، لا في الليل ولا في النهار!

–  بماذا تشعر بالضبط؟

–  الأشياء من حولي تنطّ ولا تحطّ. كلّ شيء في حركة دائمة، الدنيا، على الدوام، قاعدةٌ قائمة!

–  و هل لهذه الحركة من طبيعةٍ معيّنة؟ أم أنّها مشوّشةٌ غيرُ بيّنة؟!

–  هي في العموم تتخذ واحداً من ثلاثة أشكال، تتكرّر بصورة غير انتظامية، فتارةً تكون حركة الأشياء دورانيّة، تسبّب زغللةً في العيون، و تكاد تقودني إلى الجنون، و تارةً تكون اهتزازيّة، إما أفقيّاً، يمنةً و يسرة، تُفقد التركيز و تُغبّش النظرة، أو عاموديّاً، فوق و تحت، فلا أعودُ أميّز جمعةً من سبت!

–  و ثالث الحركات؟

–  هي التي تفقدني الرزانة و الثبات. حركة عشوائية لكل الموجودات، تصيبني بالغثيان، و تذرني كالسكران، أترنّح في كل مكان، و أتخبّط بلا اتّزان!

–  عجيب! و ما سرّ هذا الدوار الرهيب؟

–  والله حيّرتُ الأطباء، فمنهم من قال هو خللٌ في الآذان، و منهم من شخّصه كعطلٍ في الدماغ أو اضطرابٍ في الجَنان. و سألتُ شاعراً فقال: عشقٌ و حرمان، أما الشيخ فرأى أنه ضعف في الإيمان!

–  يا مسكين… و ما العمل؟ لحلّ هذا الخطب الجلل؟؟

–  بعد كلّ هذه المحاولات و الاستشارات و الاستفسارات وجدتُ -طال عمرُك- أنه ما حكّ جلدَك مثلُ ظفرُك،  و أن الحلّ لا يملكه أحدٌ سواي! فاستجمعت قواي، و ركّزتُ حتى شُدّت مفاصلي و تشجنّت يداي … و في النهاية توصلت إلى تفسير معضلتي و شكواي!

–  عظيم! أسعفني إذن بتفسير هذا اللغز الجسيم!

–  أنا -يا سيدي الكريم- مواطن قديم، بعمر الانتخابات. تعلّمت منذ صغري معنى الديمقراطية و الشورى و أنواع الحريّات. و عرفت أن للمواطن صوتاً – هو من أهم الأولويات، يمثّله أمام السلطة: مجلسُ النوّاب!

–  وما علاقة المجلس بالدّوار؟ أم أنّ حالتك قد تفاقمت و تداخلت لديك الأدوار؟!!

–  المجلس -يا صديقي- منذ تشكّل و تصرفاتُه لا تُفسر أو تُحلّل. فقد صوّت –بالمائة و أحد عشر- لأفشل حكومة مرت على عين بشر، و التي سرعان ما حُلّت و الهزل انتشر! و بعدها، أخذ المجلس يصوّت في شبهات الفساد، فلم ينفّس مرةً عن غضب العباد.. وكم –تحت القبة- من مرات تبادل فيها النواب الشتائم و الإساءات، و سخروا من الشباب و وجهوا لهم الاتهامات، و وزعوا المكسرات و هيّجوا العنصرية و النزعات…

–  أوه!!

–  و عندئذٍ تجرّد المجلس من مصداقيته عند الكثير من أبناء أمته. و لم يجد الشعب وسيلةً لاسترجاع صوته المبحوح، غير الاعتصامات للمطالبة بحقٍ أو النظر في ملف فساد مطروح… ليجدوا أن طريقهم هذا أيضاً مسدودٌ، غير مسموح!!

–  ….

–  و لكن الردّ على الاعتصامات لم يكن -فقط- من قِبل الجيش بكافّة أنواع القوّات،، من درك و شرطة و عمليّات.. و إنما جاء الردّ بمسيرات معارضة لمكافحة الفساد و موالية لملك البلاد!

–  !!!

–  أما الملك فقد وعد أن يقضي على الفساد من جذوره، و أن يمضي في طريق الإصلاح باعتباره أهم شؤون البلد و أولى أموره. و لكن المعارضين لا يصدقون، و يرون أن كل مسؤول عيّنه الملك ليس ممن يُصلحون، بل هو منافق و مُراءٍ و ملعون، حتى و إن كان شيخاً يدعو إلى الله و يُبكي العيون!

–  ؟!؟!

–  أما معارضي المعارضين، و موالي الملك الذي هو لهم من المنكرين، فهم برؤوسهم يهزّون و بأكفّهم يصفقون، و دائماً ما يرددون: البلد بألف خير ما دام الملك ملكاً و عائلته هم الحاكمون! حتى و إن ساد الفساد، و ناح الإصلاح، و تحولت البلد إلى علي بابا و الأربعين حرامي، و سقطت الأخلاق و الرؤى و المرامي!!

–  %#$&!!

–  أما أنا يا صاحبي فأحاول أن أستمع إلى هذا و ذاك، و أقيس المسافة بين هنا و هناك، ثم أقسمها على اثنين علّي أقرّب النظرتين، و أضربها بالقواسم المشتركة علّي أضيف شيئاً من البركة، و أطرح منها كل الفروقات علّي أنقيها من الاختلافات، كي أصل في النهاية إلى نتيجة تمكّن ستة مليون شخص من العيش في 89 ألف كيلومتر مربع، دون أن يقطع أحدهم على الآخر الكلام، أو أن يبدأ صاحبه بالاتهام، أو أن تنتهي النقاشات بالاحتدام… و لكنني كثيرا ما أيأس و أجد أن محاولاتي إن هي إلا ضرب من الأوهام!

–  …

–  لماذا سكتتَ فجأةً  يا جار؟؟ أم أنها قد أصابتك عدوى الدُّوار؟!!

Advertisements

About Yasmin Badran

Software Developer

8 responses »

  1. بغص النظر عن المحتوى السياسي اقول بان اسلوبك رائع و الحوار كان مشوّقا بحيث ان من يقرا اول سطرين سيكون مضطرا لان ينهي الحوار كاملا دون ان يعطي نفسه استراحة و لو لرمشة عين.
    والله بيطلع منك ياسمين P:

    Reply
    • مين جاب سيرة السياسة!!!
      😛
      شكرا شكرا يا شوبكي … ما إنت عارف كتر الضغط يولّد الإبداع 😛

      أنا جد سعيدة بمتابعتك 🙂

      Reply
  2. رائعة ياسمين ، طريقة الطرح هذه تروق لي كثيرا 🙂

    Reply
  3. “زغللةً في العيون”

    .. دام حرفك نابضاً بالحياة

    Reply
    • شايف يا أحمد … زغللة في العيون و قرقعة في الرؤوس و بلبلة في الأروقة ..
      حياة حياة! 🙂

      شكرا على مرورك و تعليقك يا مس 🙂

      Reply
  4. Dohmosh (@H_H2O)

    والله لايك كبيرة 😛 يا يسمين
    فعلاً طريقة جميلة جداً في السرد، و بتجذب حتى اللي ما اله دخل بالموضوع

    والطاسة ظايعة

    Reply
  5. أكثر من رائعة أعجبتني ..دَمتِي بهذة الرقة والأناقة في الكتابة

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: