RSS Feed

Monthly Archives: April 2012

حُلمْ~

حين دنا من روحكِ إلى ذلك الحدّ، ظننتِ بأنّه سيتخلّص من وهمه و يكتسي حقيقتَه.

و حين هجر عالمَ الحسّ خاصتكِ، أدركتِ أن قربَه ذاك لم يكن سوى خدعة منه ليحفرَ طيفه في جدران خيالك على اتساعها.

لم تصدّقي بادئ الأمر، حاولتِ اللحاق به متقصّيةً خُطواته، مقتفيةً أثرَه، لكنّه –ككلّ الأطياف- تلاشى قبل أن تفكري باختبار كينونته.

و حين أضناكِ البحث، سكنتِ، و كان عزاؤك أن صبرتِ، و انتظرتِ.

و لكن، متى يُضجركِ الانتظار؟

للأحلامِ أعمارٌ، إنما هي حصّة من أعمارنا.

الأحلام تقسو حين تلوحُ في آفاقنا، معتدّةً بجاذبيّتها، و تقسو حين تقفز خطوتين إلى البعيد كلّما أفلحنا بالاقتراب قليلاً، و تقسو حين تُعلّقنا بنشوةِ التفكير في احتضانها.

لكنّ أشد الأحلام قسوةً هي تلك التي تنبضُ قلوبُنا بدقّاتِ انتظارها، هي التي استوطنت في مُقلنا حتى لم تترك للدّمع مجرىً آخر سوى اشتياقِها، و أقسى الأحلام، هي التي ترفضنا بقدر ما نطلبها، بعد أن أذاقتنا حلاوة امتلاكها.

Advertisements

دُوْخَة

–  كثُرت التساؤلات و تعددت الاحتمالات لهذا الدّوار الذي استقرّ في رأسي و لم يفارقه، لا في الليل ولا في النهار!

–  بماذا تشعر بالضبط؟

–  الأشياء من حولي تنطّ ولا تحطّ. كلّ شيء في حركة دائمة، الدنيا، على الدوام، قاعدةٌ قائمة!

–  و هل لهذه الحركة من طبيعةٍ معيّنة؟ أم أنّها مشوّشةٌ غيرُ بيّنة؟!

–  هي في العموم تتخذ واحداً من ثلاثة أشكال، تتكرّر بصورة غير انتظامية، فتارةً تكون حركة الأشياء دورانيّة، تسبّب زغللةً في العيون، و تكاد تقودني إلى الجنون، و تارةً تكون اهتزازيّة، إما أفقيّاً، يمنةً و يسرة، تُفقد التركيز و تُغبّش النظرة، أو عاموديّاً، فوق و تحت، فلا أعودُ أميّز جمعةً من سبت!

–  و ثالث الحركات؟

–  هي التي تفقدني الرزانة و الثبات. حركة عشوائية لكل الموجودات، تصيبني بالغثيان، و تذرني كالسكران، أترنّح في كل مكان، و أتخبّط بلا اتّزان!

–  عجيب! و ما سرّ هذا الدوار الرهيب؟

–  والله حيّرتُ الأطباء، فمنهم من قال هو خللٌ في الآذان، و منهم من شخّصه كعطلٍ في الدماغ أو اضطرابٍ في الجَنان. و سألتُ شاعراً فقال: عشقٌ و حرمان، أما الشيخ فرأى أنه ضعف في الإيمان!

–  يا مسكين… و ما العمل؟ لحلّ هذا الخطب الجلل؟؟

–  بعد كلّ هذه المحاولات و الاستشارات و الاستفسارات وجدتُ -طال عمرُك- أنه ما حكّ جلدَك مثلُ ظفرُك،  و أن الحلّ لا يملكه أحدٌ سواي! فاستجمعت قواي، و ركّزتُ حتى شُدّت مفاصلي و تشجنّت يداي … و في النهاية توصلت إلى تفسير معضلتي و شكواي!

–  عظيم! أسعفني إذن بتفسير هذا اللغز الجسيم!

–  أنا -يا سيدي الكريم- مواطن قديم، بعمر الانتخابات. تعلّمت منذ صغري معنى الديمقراطية و الشورى و أنواع الحريّات. و عرفت أن للمواطن صوتاً – هو من أهم الأولويات، يمثّله أمام السلطة: مجلسُ النوّاب!

–  وما علاقة المجلس بالدّوار؟ أم أنّ حالتك قد تفاقمت و تداخلت لديك الأدوار؟!!

–  المجلس -يا صديقي- منذ تشكّل و تصرفاتُه لا تُفسر أو تُحلّل. فقد صوّت –بالمائة و أحد عشر- لأفشل حكومة مرت على عين بشر، و التي سرعان ما حُلّت و الهزل انتشر! و بعدها، أخذ المجلس يصوّت في شبهات الفساد، فلم ينفّس مرةً عن غضب العباد.. وكم –تحت القبة- من مرات تبادل فيها النواب الشتائم و الإساءات، و سخروا من الشباب و وجهوا لهم الاتهامات، و وزعوا المكسرات و هيّجوا العنصرية و النزعات…

–  أوه!!

–  و عندئذٍ تجرّد المجلس من مصداقيته عند الكثير من أبناء أمته. و لم يجد الشعب وسيلةً لاسترجاع صوته المبحوح، غير الاعتصامات للمطالبة بحقٍ أو النظر في ملف فساد مطروح… ليجدوا أن طريقهم هذا أيضاً مسدودٌ، غير مسموح!!

–  ….

–  و لكن الردّ على الاعتصامات لم يكن -فقط- من قِبل الجيش بكافّة أنواع القوّات،، من درك و شرطة و عمليّات.. و إنما جاء الردّ بمسيرات معارضة لمكافحة الفساد و موالية لملك البلاد!

–  !!!

–  أما الملك فقد وعد أن يقضي على الفساد من جذوره، و أن يمضي في طريق الإصلاح باعتباره أهم شؤون البلد و أولى أموره. و لكن المعارضين لا يصدقون، و يرون أن كل مسؤول عيّنه الملك ليس ممن يُصلحون، بل هو منافق و مُراءٍ و ملعون، حتى و إن كان شيخاً يدعو إلى الله و يُبكي العيون!

–  ؟!؟!

–  أما معارضي المعارضين، و موالي الملك الذي هو لهم من المنكرين، فهم برؤوسهم يهزّون و بأكفّهم يصفقون، و دائماً ما يرددون: البلد بألف خير ما دام الملك ملكاً و عائلته هم الحاكمون! حتى و إن ساد الفساد، و ناح الإصلاح، و تحولت البلد إلى علي بابا و الأربعين حرامي، و سقطت الأخلاق و الرؤى و المرامي!!

–  %#$&!!

–  أما أنا يا صاحبي فأحاول أن أستمع إلى هذا و ذاك، و أقيس المسافة بين هنا و هناك، ثم أقسمها على اثنين علّي أقرّب النظرتين، و أضربها بالقواسم المشتركة علّي أضيف شيئاً من البركة، و أطرح منها كل الفروقات علّي أنقيها من الاختلافات، كي أصل في النهاية إلى نتيجة تمكّن ستة مليون شخص من العيش في 89 ألف كيلومتر مربع، دون أن يقطع أحدهم على الآخر الكلام، أو أن يبدأ صاحبه بالاتهام، أو أن تنتهي النقاشات بالاحتدام… و لكنني كثيرا ما أيأس و أجد أن محاولاتي إن هي إلا ضرب من الأوهام!

–  …

–  لماذا سكتتَ فجأةً  يا جار؟؟ أم أنها قد أصابتك عدوى الدُّوار؟!!

كِفاحِي – الطّريقُ إلى العَمل

استيقظت –كعادتها- نشيطة متحمسة ليوم جديد من العطاء و الإنتاج، تثاءبت لدقيقتين متخلصةً من آثار الكسل و النعاس، غسلت عينيها و معهما كلّ الأحداث الغريبة التي رأتها في منام أمس، ارتدت ملابسها و أعدّت شطيرة الجبنة و السنيورة التي تعدّها كلّ يوم… جدّدت نيّتها، استحضرت طموحها و اندفاعها و ابتسامتها، و انطلقت!

فتحت بصعوبة باب العمارة الثقيل لتجد نفسها في الشارع الذي لم يحدث أن رأت فيه تكسيّا فارغا، فبدأت رحلة المشي الصباحية الخاصة بها. سارت حتى نهاية الشارع الفرعي، نزلت النّزلةَ مهرولةً –رغماً عنها بالطبع- ثم خطت بضع خطوات لتقف في مكانها الاستراتيجيّ الواقع بين ثلاثة شوارع و الذي سيمكّنها من التقاط أيّ تكسي قد يلوح في المنطقة!

الخطة تقضي بإبقاء العيون مبحلقة على اتساعها، أيّ رمشة قد تتسبب في خسارة فادحة لتكسي قد يمر في ذلك الجزء من الثانية، توزيع النظرات بين الشوارع الثلاثة –المقدّمة، الميمنة و الميسرة- مدروسٌ بعمق… المسألة الآن مسألة وقتٍ، لا أكثر!

خمس دقائق مرت و مر فيها ما يقارب الثمانية تكاسي المشغولة غالباً بعمال البناء أو طلاب المدارس، التكسي التاسع، لاح في أفق الشارع الأيمن و هو فارغ تماماً، أجل فارغ. نصبت قامتها لتصل إلى أقصى طول ممكن و مدّت ذراعها حتى كاد البيك أب القادم من الغرب أن ينتشله، و لكنّ الله سلّم، و على أيّ حال ليس هذا هو المهم، فالأنظار كلها متوجهة إلى تكسي الأحلام المتبختر كجواد أصيل منذ ظهوره و لسان حاله يقول:

نعم يا عزيزتي، ستصلين عملك في الوقت المحدد، ستكونين سندريلا الشاشة هذا الصباح و أنت تدخلين الشركة من أوسع أبوابها، غير آبهة بكلّ أولئك الذين لم يتمكنوا بعد من العثور على تكسي أحلامهم، حتى لو كانت الأزمة خانقة، قاتلة، مريعة أو مريبة، أعدك يا صغيرتي ستصلين، تماما، في الوقت الذي يجب أن تصلي به.

ما إن اقترب التكسي قليلاً حتى صار في وسع عينيها المبحلقتين أن ترى ذلك الرأس الصغير المختفي بخجل في الكرسي الخلفي، و كانت الصدمة العظمى، التكسي.. لم يكن فارغاً أبداً.

خمس دقائق أخرى، و مزيد من التكاسي المشغولة، كيف استطاع كل هؤلاء الناس أن يحققوا أحلامهم بتكسي أصفر صغير، و فارغ. لا بأس، كلّهُ قسمة و نصيب.

فقدت كلاً من ابتسامتها و بريق عينيها من جرّاء التركيز و المراقبة، قررت التراجع عن خطتها لبعض ثوانٍ علّها تستردّ طاقتها المهدورة كي تبدأ رحلة البحث من جديد، أطبقت جفنيها على عينيها و أوشكت أن ترحل على متن طائرة عامودية توصلها إلى نافذة مكتبها حيث تستطيع القفز إلى كرسيها مباشرة، و لكن … قطع هذه الرحلة صوت زامور شجيّ، لم يكن سوى تكسياً وقف بمحاذاتها و أخذ الزجاج بينها و بين السائق ينحدر تدريجياً كي ينبثق من خلفه سؤال بألف سؤال: أين تراكِ تمضين في هذا الصباح الجميل؟

فيهرع الجواب متعثراً بلسانها: الدوّار الخامسْ.

وقبل أن تنتهي من سينها الساكنة يأتيها الردّ: وااااال… لا، لستِ على طريقي.

أين طريقُك طيب؟؟ … تسأل بشغف.

يعني، هنا في صويلح.

تفكر بسرعة: هل أرن على مديري و أسأله، ربما كان لدينا فرع في صويلح، أو قد أقدم استقالتي و أداوم في شركة أخرى في صويلح، المهم أن لا يضيع هذا التكسي الثمين من يدي.

سمعت صوت محرّك التكسي الذي لم ينتظر نتيجة أفكارها الساذجة، تبعته بخطوتين… و ثالثة مكسورة و مخذولة، لماذا تخلّيتَ عني بهذه السهولة؟!

في هذه اللحظة بالذات، مرّ تكسي، فارغ أيضاً و لكن السائق كان مركّزاً نظره كله على الجهة المعاكسة لها تماما، مدّت ذراعها، صاحت: تكسي، قفزت، دبكت… لا جدوى، كان قد لمح ذات الشعر الأشقر و التنورة الزرقاء اللمّاعة و هي تنزل من درج بيتها، فكان بانتظارها عند المدخل.

قبل أن تكمل كلمة “تبّاً”، لاح تكسي آخر، لكن لماذا توقف بعيدا هكذا؟ آه، ذلك الشاب صفر له من شرفة بيته… تكسي آخر فارغ، اعتذر صاحبه بيده… ودّت لو توقفه لتنصحه بأن يدهن سيارته باللون البنفكحي إن لم يكن يريد أن يعمل!

كل الناس وصلوا إلى مقر عملهم، حتى ذوي الكيا سيفيا التي نظرت إليها قبل عشرين دقيقة فقط و فكرت: لو لم يتبقّ في الدنيا سيارات سواها، لن أتملّكها!

رفعت رأسها إلى السماء و الدموع تتغرغر في مقلتيها، و ناجت ربّها: يا الله.

توقف تكسي أمامها مباشرة، تلفتت حولَها، لم تجد أحداً، نظرت إلى السائق متسائلة: أنا؟

هزّ برأسه عاقداً حاجبيه بكشرة لم تر لها مثيلاً من قبل، أمسكت مقبض الباب و هي تردد: شكراً يا رب، شكراً يا رب.

في الطريق أدركت أنها فقدت كل الطاقة التي جهزتها لهذا اليوم، كل الاندفاع و كل الحماس، حتى أنها لم تفكر في الاعتراض على دخان السيجارة و صوت محمد الوكيل و تغاضي السائق عن إعادة ما تبقى من الأجرة المدفوعة.

“ميّ”، “زهرة أم أذينة” ، “التوبة”، “أبو الحاج” ، “كان زمان” … هذت.

ترررررررررررن … صدح المنبّه، فتحت عينها اليمنى و أمسكت الموبايل لتجد أنها استنفدت كل الغفوات المتاحة، و بينما كانت تفتح عينها اليسرى، تساءلت: ترى، أين سيكون طريقه اليوم؟

حُمّى الشّوق

كلّ أيمانك بأنك غير راحل، و كلّ وعودك بأنك حتماً عائد… كلامٌ … “ربما” نطقتَ به يوماً… و نسيتْ.

كلّ قسمٍ تلفظتَ به ملأ حجراتِ قلبها… ثقةً و أملاً، و كلّ وعد تعهدتَ به ملأها سكوناً و أماناً. و رحلتْ.

كلّ ليلةٍ… مرّت بها –بعدَئذٍ- حملت مرحلة مختلفة من الشّوق…

بقي لعودته عشرة أيّام، تسعة، ثمانية… يومان و يوم… و اختفيتْ.

مضى على غيابه عشرة أيّام، عشرون، ثلاثون… تسعون، مئة، مئة و خمسون… و خَذلتْ.

شعرَت بالشوق ريحاً، جافّة باردة، تخترق مساحة –لم تكُ تدري بوجودها- تفصل بين جلدها و عظمها، تسري سريعة قاتلة، ينتفض على أثرها جسدُها كلُّه و للحظة… تجمد دموعها في مجراها!

شعرَت بالشوق نيزكاً يهبط ثقيلاً في صدرها، يهشّم قلبها و يترك مكانه هوّةً فارغةً إلا من الريحِ، و الخوف.

رأت الشوقَ … ليلاً لم تنمهُ، و آخرَ نامته فاستولى على أحلامها!

سمعت الشوقَ… أنيناً تصدره الجدرانُ، حولَها، فتوشك أن تهوي حجراً حجراً.

غدا الشوق ذنباً عليها تبريرُه، و فضيحةً عليها مداراتُها!

غدا الشوق قلَمها… و أنتَ تخلّدتْ.