RSS Feed

فارسُ الياسَمين

ما إن انتهى من وضوئه المسبغ حتى انطلق صوته عذبا نقيا موقظا في الأرواح إيمانها:

الله أكبر .. الله أكبر ، حيّ على الصلاة .. حيّ على الفلاح …

لم تسمع من قبل نداء بهذا الإتقان، بهذا القرب … و رغم أنه لم يتجاوز عقده الثالث إلا أن زملاءه و أصدقاءه لا يحلو لهم إلا أن ينادوه “الشيخ مؤمن” … و كم أعجبها ذلك!

كانت رئتاها تمتلآن فرحا و قلبها يضخ إلى جسدها و روحها فخرا كلما رأت شابا بكامل صحته و عنفوانه يدوس على شهواته و هواه و يُقبل على ربه طائعا خاضعا بملأ رغبته و قناعته.

لم يكن من الصعب عليها أن تلحظ –منذ البداية- ما أكرمه به الله من فقه في الشرع و الخُلق إضافة إلى الخبرة الواسعة في مختلف مجالات الحياة الدنيا، و لم يكن من الصعب عليه أن يشد اهتمامها بملامحه البسيطة الطفولية و نظراته الدائمة و ابتسامته المحببة!

كانت تعلم جيدا أسباب حرصها على ممارسة مهنة ما، فهي أولا تنوي أن يكون عملها خالصا لوجه الله الكريم و تبتغي به الأجر إذ تحتسبه من باب إعمار الأرض – أحد مقاصد الحياة، و في المقام الثاني يأتي طلب الرزق الذي به تعيل نفسها و تساعد عائلتها و تستغني عن أفضال العباد .. و لكن خاطرا لم يتوقف عن التردد في بالها… إذا لم يكن الشيخ مؤمن هو الرجل الذي أحب أن أشاركه حياتي، فمن سيكون؟؟

لم يكن قد مضى على التحاقها بعملها الجديد سوى أيام عندما بدأت تجد على مكتبها في كل صباح باقة صغيرة من أزهار الياسمين ملفوفة بورقة كتب عليها:” صباحُك ياسمين”، غالبا ما ترافقها عبارة أخرى تشيد بثوبها الأزرق، أو تتغزل بعينيها الواسعتين، و في وقت لاحق كانت العبارات تحمل تفاصيل أدق و إطراءات أعمق و … أكثر جرأة، أما الابتسامة التي كانت تخترق المسافة بينهما كسهمٍ عرف وجهته فلا يحيد عنها فهي واحدة، صامتة و مجنونة في كل الصباحات!

في ثوان … كانت تقرأ كلماته، تنتشي ثم تُخفي زهرات اليوم مع رفيقاتهن الأكبر بأيام أو ساعات و الأفقر بنضارة و عبق و حياة في درج مكتبها الأقرب إلى متناولها، و الذي تقفله بإحكام خشية كشف كنزها الثمين من كل اللاتي يحطن بها و – قطعا – سيحسدنها لو عرفن بأنها – و هي الأحدث – الوحيدة التي امتلكت قلب شابٍّ إنما هو حلم كل فتاة!

عندما ساورها نزر من شك مرة و سألته: من أين تأتي بكل هذا الكلام الجميل؟
أجابها بالتنهيدات عوض الحروف: أنتِ مصدره و أنتِ غايته.

في كل مرة كانت تتوقع سماع كلمة أخيرة منه، الكلمة التي ستشعرها أن كل ما يسيطر على أفكارها و مشاعرها … مباح.
وفي كل مرة كان الحوار ينتهي مفتقرا إلى تلك الكلمة كانت أفكارها و مشاعرها تغرق أكثر في بحر الشك!

في اليوم الأخير – الأخير تماما، الأخير حقا – علمت أن عليها التوجه إلى مكتبها حالا لتفريغه بغية الانتقال إلى غرفة أخرى…
دخلت تلك الصالة الكبيرة التي تترامى فيها المكاتب المفروشة بنظرات مشدوهة و أنفاس مقبوضة … و المفروشة أيضا بأزهار الياسمين الجافة الذابلة و الشرائط المنقوشة بأعذب الكلمات .. بل أكذبها…

نظرت كل فتاة إلى الأخريات محاولة مواساتهن، وحدهن كنّ القادرات على امتلاك شعور واحد في اللحظة ذاتها، وحدهن كنّ قد أدركن أن لا معنى – أبدا – للكلمات … لا معنى لأي كلمة قد تقال الآن … و لا لأي كلمة قيلت يوماَ!

وبينما كن يلملمن بصمتٍ ذبول آمالهن في بتلات الياسمين الصفراء اليابسة، كان هو .. الشيخ مؤمن … يرتدي قناعه المزهر المتفتح و يوقظ بصوته العذب النقي الإيمانَ في الأرواح مناديا:

حيّ على الصلاة .. حيّ على الفلاح.

Advertisements

About Yasmin Badran

Software Developer

18 responses »

  1. soooooooooooooo nice post yasmeen…. how pure quiet emotions you have. You made my day wallah =)

    gd luck =)

    Reply
  2. رائعة يا ياسمين راح تخلينا نستنى الكتابة الجاية الك

    Reply
  3. يا سمين قراتها مرتين و استمتعت جدا بس ما فهمت يعني ضحك عليها بالاخر ؟ مش فاهمه النهايه انا

    Reply
    • لما دخلت عالغرفة لقيت كل مكاتب البنات مفروشة بنفس الياسمين اللي كانت تخبيه بدرج مكتبها!!
      يعني هو متخفي ورا قناع الدين و قاعد بزبط كل البنات بنفس الوقت!!

      على فكرة هاي قصة حقيقية .. للأسف! 😦

      Reply
  4. Respects 😀

    فعلا كلمات جميلة جداً … إلى الأمام 🙂

    Reply
  5. ببساطة إذا بتبطّل تجاملو وتقطع التواصل بينهم بتنحلّ مشكلتها 🙂

    Reply
    • أنا ما بلاقيها مشكلتها هي بقدر ما انها مشكلته هو !!!
      عالمدى البعيد طبعا

      Reply
      • ما بنقدر ننكر إنو هي واجهت مشكلة لما تفاجأت إنو مش صادق وبيستعمل قناع الدين لأهداف شخصية 🙂

    • اكيد كل البنات واجهوا صدمة حقيقية لأنه الدين عنا شي مقدس
      حتى لو ما كنا ملتزمين نحنا بنحترم و بنقدر الناس الملتزمين اكتر من غيرهم وبنتوقع يكونوا مرفعين عن كتير شغلات أي حدا تاني ممكن يساويها!
      ولهاد السبب هو استغل “الدين” بالذات كقناع يتخفى وراه

      Reply
  6. الكلمات جميلة، و المشاعر جميلة، لكن فعلا لا معنى أبداً للكلمات……………………………

    Reply
    • سبحان الله … الكلمات الجميلة غالبا ما تحمل في حروفها الكذب و الزيف
      والمشاعر الجميلة تجد طريقها دون نطق حرف واحد!!

      Reply
  7. قصة جميلة ما شاء الله.
    كلمات قوية و مقدمة تشد القاريء لما بعدها…
    لكن ألا توافقيني في الرأي أن الخاتمة حملت بعض التناقض
    مما يدفع القاريء “مثلي” يعيد القراءة مرة و ثنتين و ثلاث..
    حتى يتدارك ما قد ظنه فات عليه في القراءة.
    بعد التمحص فهمت المضمون.
    العبارة التي حملت هذا التناقض هي ” كان هو .. الشيخ مؤمن … يرتدي قناعه المزهر المتفتح و يوقظ بصوته العذب النقي الإيمانَ في الأرواح”
    فالقناع هنا أوصلت الفكرة بالشكل المطلوب و ما يدفع إلى التناقض هو ما كتبته “المزهر المتفتح” فهذا يحمل عكس ما تريدين إيصاله.
    من أن القناع خادع.. أو أن باطنه فيه الخداع..
    و كيف ل” صوته العذب النقي” فكيف يكون نقياً و في الرجل ما فيه من عدم استقامة.
    و كيف له أن “يوقظ الإيمان في الأرواح” فالإيمان ينتقل من المؤمن إلى غيره إذا ما تحلى بعمق الإيمان و واوفق ظاهره باطنه.
    قد يكون هذا التناقض من مفهومي للإيمان، النقاء و الإزهار
    هذا من وجهة نظري القاصرة و من تحليلي لما أصابني من استعصاء الفهم في البداية.
    و أرجو تقبل وجهة النظر
    و شكراً لكِ

    Reply
    • شكرا بشار على متابعتك و رأيك.

      القناع أجل خادع، ما زال مزهرا متفتحا لدى الاخرين الذين لم يعرفوا بعد ما يخفيه
      والصوت ما زال عذبا نقيا يوقظ الايمان في الارواح
      تماما .. كما كان في بداية القصة

      فكرتي هي أن الخداع مستمر و لن يتوقف .. و عدد المخدوعين سيبقى في ازدياد اذا لم نتحرر من الحكم على الناس من مظاهرهم و كلامهم…
      و بس 🙂

      وجهة نظرك مرحب بها دائما

      Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: