RSS Feed

Monthly Archives: January 2012

فارسُ الياسَمين

ما إن انتهى من وضوئه المسبغ حتى انطلق صوته عذبا نقيا موقظا في الأرواح إيمانها:

الله أكبر .. الله أكبر ، حيّ على الصلاة .. حيّ على الفلاح …

لم تسمع من قبل نداء بهذا الإتقان، بهذا القرب … و رغم أنه لم يتجاوز عقده الثالث إلا أن زملاءه و أصدقاءه لا يحلو لهم إلا أن ينادوه “الشيخ مؤمن” … و كم أعجبها ذلك!

كانت رئتاها تمتلآن فرحا و قلبها يضخ إلى جسدها و روحها فخرا كلما رأت شابا بكامل صحته و عنفوانه يدوس على شهواته و هواه و يُقبل على ربه طائعا خاضعا بملأ رغبته و قناعته.

لم يكن من الصعب عليها أن تلحظ –منذ البداية- ما أكرمه به الله من فقه في الشرع و الخُلق إضافة إلى الخبرة الواسعة في مختلف مجالات الحياة الدنيا، و لم يكن من الصعب عليه أن يشد اهتمامها بملامحه البسيطة الطفولية و نظراته الدائمة و ابتسامته المحببة!

كانت تعلم جيدا أسباب حرصها على ممارسة مهنة ما، فهي أولا تنوي أن يكون عملها خالصا لوجه الله الكريم و تبتغي به الأجر إذ تحتسبه من باب إعمار الأرض – أحد مقاصد الحياة، و في المقام الثاني يأتي طلب الرزق الذي به تعيل نفسها و تساعد عائلتها و تستغني عن أفضال العباد .. و لكن خاطرا لم يتوقف عن التردد في بالها… إذا لم يكن الشيخ مؤمن هو الرجل الذي أحب أن أشاركه حياتي، فمن سيكون؟؟

لم يكن قد مضى على التحاقها بعملها الجديد سوى أيام عندما بدأت تجد على مكتبها في كل صباح باقة صغيرة من أزهار الياسمين ملفوفة بورقة كتب عليها:” صباحُك ياسمين”، غالبا ما ترافقها عبارة أخرى تشيد بثوبها الأزرق، أو تتغزل بعينيها الواسعتين، و في وقت لاحق كانت العبارات تحمل تفاصيل أدق و إطراءات أعمق و … أكثر جرأة، أما الابتسامة التي كانت تخترق المسافة بينهما كسهمٍ عرف وجهته فلا يحيد عنها فهي واحدة، صامتة و مجنونة في كل الصباحات!

في ثوان … كانت تقرأ كلماته، تنتشي ثم تُخفي زهرات اليوم مع رفيقاتهن الأكبر بأيام أو ساعات و الأفقر بنضارة و عبق و حياة في درج مكتبها الأقرب إلى متناولها، و الذي تقفله بإحكام خشية كشف كنزها الثمين من كل اللاتي يحطن بها و – قطعا – سيحسدنها لو عرفن بأنها – و هي الأحدث – الوحيدة التي امتلكت قلب شابٍّ إنما هو حلم كل فتاة!

عندما ساورها نزر من شك مرة و سألته: من أين تأتي بكل هذا الكلام الجميل؟
أجابها بالتنهيدات عوض الحروف: أنتِ مصدره و أنتِ غايته.

في كل مرة كانت تتوقع سماع كلمة أخيرة منه، الكلمة التي ستشعرها أن كل ما يسيطر على أفكارها و مشاعرها … مباح.
وفي كل مرة كان الحوار ينتهي مفتقرا إلى تلك الكلمة كانت أفكارها و مشاعرها تغرق أكثر في بحر الشك!

في اليوم الأخير – الأخير تماما، الأخير حقا – علمت أن عليها التوجه إلى مكتبها حالا لتفريغه بغية الانتقال إلى غرفة أخرى…
دخلت تلك الصالة الكبيرة التي تترامى فيها المكاتب المفروشة بنظرات مشدوهة و أنفاس مقبوضة … و المفروشة أيضا بأزهار الياسمين الجافة الذابلة و الشرائط المنقوشة بأعذب الكلمات .. بل أكذبها…

نظرت كل فتاة إلى الأخريات محاولة مواساتهن، وحدهن كنّ القادرات على امتلاك شعور واحد في اللحظة ذاتها، وحدهن كنّ قد أدركن أن لا معنى – أبدا – للكلمات … لا معنى لأي كلمة قد تقال الآن … و لا لأي كلمة قيلت يوماَ!

وبينما كن يلملمن بصمتٍ ذبول آمالهن في بتلات الياسمين الصفراء اليابسة، كان هو .. الشيخ مؤمن … يرتدي قناعه المزهر المتفتح و يوقظ بصوته العذب النقي الإيمانَ في الأرواح مناديا:

حيّ على الصلاة .. حيّ على الفلاح.

Advertisements