RSS Feed

Monthly Archives: October 2011

العالم الافتراضي

كم أتمنى أن يكون افتراضيا .. أن يكون حلما و سنتسفيق جميعا منه … صباحا ما!
هذا العالم الذي يحيط بنا، أو الذي نحيط أنفسنا به.. العالم الذي لا يشبهنا أبدا و لكننا تقمصناه حتى بدا و كأنه .. عالمنا!
لن أستخدم كلمة “زمن” لأنني أؤمن أن العيب ليس في الزمن و قد نكون “نحن” عيبه الوحيد .. فعلا، و لأنني أدرك تماما أننا نحن من نرسم معالم الحياة من حولنا.. نحن من نضع القواعد، و نحن من نقدسها، و نحن من ننفذها!

أطلقنا عليه .. عالم السرعة .. و كان لزاما علينا أن نواكب هذه السرعة التي لم تهدأ مرة .. واكبناها في كل جزء من حياتنا..

في مبادئنا التي فقدت أهم صفة من صفات المبادئ.. الثبات! أفكارنا، آراؤنا، مواقفنا كلها تتغير بتغير الأماكن التي نوجد بها، الأشخاص الذين نتعامل معهم و النتائج التي قد تترتب على هذه المواقف!

أصبحنا سريعين في علاقاتنا أيضا … اعتدنا على أن هنالك نهاية لكل شيء، لا أقصد النهايات القدرية و إنما النهايات التي نوجدها بأنفسها، النهايات التي نخطط لها قبل أن نخطط للبدايات!

صداقات سريعة و زيجات سريعة .. كل الناس أصبح من الممكن أن يمضوا .. و الأسوأ .. أصبح من الممكن أن نستبدلهم في وقت قياسي!

حتى علاقتنا مع الله تخلو من الاستقرار و الهدوء .. ننسى عدد الركعات التي صليناها من أصل أربع! نقرأ القرآن بذهن مشوش، ندعو و نحن على يقين .. من عدم الإجابة!

عالمنا .. عالم التكنولوجيا … التي منحناها حجما و مساحة أكبر مما تستحق بكثير و قمنا باستغلالها لدرجة التخلي عن حواسنا! تعلمنا كل اللغات و نسينا اللغة الأصدق .. لغة العيون .. إذ لم نعد نلتقي إلا عبر الأجهزة، سمحنا لأنفسنا أن ننسى أهم الأحداث و المناسبات الخاصة بنا لشدة اعتمادنا على ذاكرة الهواتف و آلات التصوير!

في “عالمنا” نرتب أولوياتنا بالمقلوب، نهتم أكثر بالأشياء الأقل أهمية و نضع الأشياء المهمة بالفعل في نهاية القائمة!
في عالم آخر كانت الحاجة هي أم الاختراع بينما في عالمنا نحن نصنع الحاجة قبل أن نصنع المنتج الحقيقي.
الكثير من الأشياء التي نمتلكها أو نسعى لامتلاكها هي في نظرنا من الضرورات مع أن الحياة يمكن أن تستقيم دونها … ربما لا يمكن للحياة أن تستقيم إلا دونها!
في الوقت نفسه نحن نسمح لأنفسنا بأن نفقد أشياء في غاية الأهمية دون أن ننتبه لغيابها أصلا!

ثقافة ما غزت عقولنا جعلتنا نظن أن الحب مثلا ضرورة، ما من فيلم يخلو من قصة حب حتى و إن كان موضوعه الرئيسي يتحدث عن شيء آخر تماما، الأغاني و الروايات كلها جعلت الحب يظهر على أنه الأساس، لذلك أصبحنا نبحث عن الحب و نخطط له و نكتب قصصنا و مصائرنا فيه بأيدينا! و من أجل شعور واحد ضحينا ببقية المشاعر .. فقدنا الاحترام و الرفق و التقدير .. تجاهلنا الركائز التي تجعل العلاقات أقوى و أدوم .. استهنّا بالمشاعر التي تبنيها التجارب و العشرة و عظّمنا حب الأفلام الذي تشعله نظرة و تمحوه كلمة!

في عالمنا أيضا أقحمنا الناس في حياتنا الخاصة و شاركناهم يومياتنا لحظة بلحظة، خسرنا لذة الأسرار و هيبة الغموض، أعطينا كل الناس فرصة الاهتمام حتى لم نعد نعلم أيهم المهتم حقا و أيهم مرّ مرور الكرام …
و لكثرة الأشخاص الذين أحطنا أنفسنا بهم فقدنا تلك القدرة على استشعار المودة و الشوق و القلق و المشاركة الحقيقية!

كان من المضحك مرة أن ناديت أختي للغداء عبر فيس بوك، و لكنني أجده مبكيا عندما يتغزل أحدهم بخطيبته عبر فيس بوك … للخصوصية قيمة كبيرة جدا … فقدناها أيضا!
ربما من أهم صفات عالمنا و أسوئها أنه جعل الأشياء … سهلة! صعوبة الوصول لأهدافنا .. أيا كانت .. تمنحها قيمة أكبر .. تجعلها أغلى و تجعلنا نقدّرها أكثر!

عالمنا تعمّه الفوضى … كي يبدو كل شيء جديدا و مختلفا لا بد أن يكون … فوضويا! الأزياء، الموسيقى، الشعر إذا وجد … الأغاني وحدها تعبر عن برودة عالمنا و فراغه ..
و إذا سألتهم يقولون … المغنى إحساس! المغنى ليس فقط إحساس، المغنى ثقافة و فهم قبل أن يكون إحساسا!

في هذا العالم بإمكانك أن تضحك و تحزن في اللحظة ذاتها و أنت تتكلم مع شخصين عبر المسنجر … الأمر الذي يدلك أن مشاعرنا لم تعد حقيقية .. لم تعد موجودة أساسا!
لا أقصد أننا أصبحنا أشخاصا سيئين و لكننا في كل يوم نبتعد عن الإنسانية و نقترب من الآلية.

لا أعلم إذا كنت أهوّل الأمور و لكنها هكذا كما أراها … لا أريد أن نكره عالمنا … أريد أن نهدأ قليلا …
أن نراقب الشروق و لو مرة في الأسبوع و نحن نردد “سبحان الله” دون أن نفكر في أي شيء آخر …
أن نلتقط ياسمينة في الطريق، نغمض أعيننا و نتنشق عبقها حتى نملأ به نفَسنا و ننظر كم من التفاصيل الصغيرة التي نمر عنها كل يوم بإمكانها أن تمتلك هذا المحتوى و هذا التأثير!
أريد أن ننتبه أننا رغم سرعتنا ما زلنا نشعر بالملل، و رغم تنوع اهتماماتنا ما زلنا نشعر بالغثيان .. و أننا في بعثرة أولوياتنا لا نحس بالراحة أو الأمان، و أننا وسط هذا الكم الكبير من الأشخاص من حولنا ما زلنا نشعر بالوحدة لأننا أضعنا القلوب التي تحتوينا حقا!
أريد أن نعيد لحواسنا أدوارها … أن نمسك الصحف و الكتب التي نقرؤها … أن نشتم رائحة الورق … أريد أن نصحو باكرا كي نستمتع بالهواء قبل أن تشاركنا فيه السيارات و المصانع …
أريد أن نمشي .. و نستمع إلى نبضات قلوبنا فقط.
أنا أريد أن نصنع لأنفسنا العالم الذي نحب

Advertisements