RSS Feed

كِفَاحِي – الطَّريق إلى الزَّرقاء

نهاية الاسبوع هي الموعد المنتظر للعودة إلى حضن العائلة الدافئ، الدلال و الأشواق و الطعام و ضحكات الأطفال .. والخدم و الحشم*! تقضي أسبوعها كاملا بانتظار اليوم الذي ستجهز فيه نفسها و تلملم حوائجها “اللابتوب، حقيبة الثياب، حقيبة اليد .. و أحيانا بعض الأمانات التي تحمّلها اياها جدتها كي توصلها إلى أمها كأطرميزات المخلل و المقدوس و الزيتون”، و ما إن تنهي عملها حتى تنطلق بكل لهفة و شوق إلى مدينتها الأم .. الزرقاء!

لكن طريق السعادة و النعيم طريق صعب للغاية، محفوف بالمخاطر و التحديات .. وحده الذي يتغلب عليها هو من يصل في النهاية إلى مبتغاه!

الباصات “أو الحافلات العامة” هي قصة كفاح تلك الفتاة و أمثالها الكثير! قصة اعتادت أن تطلق عليها “قصتي مع القرف و الغثيان”.

تدخل ذلك الباص الغامض بخطى واثقة كي تجد نفسها في عالم آخر … “قلب قلب .. وين وين .. غايب عليّا يومين” .. يصدح الصوت مزلزلا ما تبقى من نوافذ الباص المهترئة، ضباب كثيف شكلته السجائر المشتعلة هنا وهناك، روائح السجائر تمتزج بروائح العرق و الخبز و البنّ و البندورة و اشتعال المحرك .. بكاء طفل هنا: “بدّي شلييين!!” و صراخ رجل هناك: “يا زلمة يلا حرّك أخت هالباص اتأخرنا على أخت الولاد خليهم يتسممو أخت هالأكل” .. في هذه اللحظة بالذات تظهر الشخصية الأكثر تأثيرا .. الكنترول .. و الذي من المفترض أن يدير عمليات الركوب و النزول و جبي الأجرة و ينظم حركة الركاب و يحرص على راحتهم … “مين هاظ المستعجل؟” يصرخ غاضبا حتى تكاد الجروح المقطبة على جبينه أن تتفتّق .. عندها يظهر الرجل الحكيم المسالم .. “صلّوعالنبي يا جماعة واخزو الشيطان” … يكتفي الراكب المستعجل بالنظرات الحانقة بينما يرد الكنترول محاولا إغاظته: “مش طالع و أنا ناقصني راكب واحد .. لسة الباص فاظي”! عندها يسود الصمت أرجاء الباص .. صمت اليأس و خيبة الرجاء.

بعد أن تختار مقعدها .. أو يختارها هو .. ترتب أغراضها بالطريقة التي تناسب وضع جلوسها، تخرج كتابها و تبدأ القراءة متظاهرة بأنها تفهم كل كلمة تقرأها وسط كل ما يحيط بها من تشويش و مقاطعات؛ الأجرة، الستائر، مصطفى كامل، التفسح لراكبة جديدة “بيت الضيق يتسع لمئة صديق”!

فجأة .. يتوقف الباص .. يحلّ الصمت المتبوع بهمسات و أحاديث جانبية .. يصعد رجل الأمن و يلقي بنظرةٍ “شيرلوك هولمزية” على الركاب .. واحدا تلو الآخر … ثم يصرخ: “هويّاتكو شباب”!

يُخرج الركاب الذكور بطاقاتهم الشخصية و يسلمونها لرجل الأمن بقلوب مرتجفة و عيون راجية .. بينما تكتفي الفتيات بالمراقبة و التأفف بعد مرور الدقائق الثلاث الأولى .. أما بعد عشرين دقيقة -أي حين ينتهي التحقيق مع المشتبه بهم و يسترجع الركاب بطاقاتهم- تنتبه إلى أنها الفتاة الوحيدة المتبقية في الباص بعد أن ملّت الأخريات من الانتظار و غادرن الباص مطلقات عددا من الشتائم مجهولة المقصد .. السائق؟ أم الكنترول؟ أم الشخص الذي توحي بأنها تكلمه على الهاتف المحمول؟ أم .. رجال الأمن .. معقول؟؟

ينطلق الباص مجددا .. ولكن هذه المرة بروحٍ مختلفة تماما … السائق و الركاب وحتى الكنترول كلهم يتبادلون الحديث ذاته مع بعضهم البعض بشيء من الأخوّة و الألفة! أما هي فتكتفي بسماع كلمة واحدة تفسر لها الموقف كاملا .. “إصلاح” أو “فساد” .. “السفارة الاسرائيلية” أو “مظاهرات” .. كي تعود بعدها إلى كتابها الذي أصبحت كلماته أوضح و أكثر ترابطا!

بعد ما يقارب الساعتين … تنظر من خلال النافذة لتجد أنها أصبحت على بعد خطوات من اليابسة .. تحمل حوائجها بكل ما خُلق لها من أكتاف و أيدي و توجّه خطابها إلى الكنترول: “عندك .. يعطيك العافية” .. و حيث أن الشباب المتبقين حولها يقبعون في مقاعدهم كالقتلى من الإنهاك و الإرهاق فلا أحد يعينها على ايصال صوتها للكنترول .. عندها تضطر للخوض في عملية بحث عن قطعة نقد معدنية تدق بها زجاج النافذة .. فينتبه الكنترول سائلا: “هون؟” تفكر في أن تجيبه: ” لأ .. قبل 10 متار” لكنها تختصر الشر وتجيب: “هون”.

تنزل درجات الباص بتؤدة غير مصدقة أنها وصلت سالمة غانمة … تقف على الرصيف لدقائق و لسان حالها يقول: الحمدلله .. هذه المرة أيضا سلمت الجرة! و تنطلق إلى عطلتها السعيدة متجاهلة أنها بعد أقل من يومين ستعيش من جديد .. مغامرة الإياب!

—————————————————————————————————-
* بهدف المبالغة و التضخيم و التهويل … فقط!

Advertisements

About Yasmin Badran

Software Developer

13 responses »

  1. عنجد موتيني من الضحك!

    حيا الله كل المناضلات الزرقاويات

    للأسف واقع ، و أنا اششششششششششششششششششششششهد!

    Reply
  2. كلام سليم 100%….ولكن ..هل من مجيب

    Reply
  3. هههههههههههههههههههههههههههههه عن جد رائعه ياسمين

    Reply
  4. والله يا ياسمين احييكي على هذه التدوينة، فأجدها جد رائعة … كما أنني لمست معظم ما قلتيه من خلال ايام الجامعة الهاشمية (بعد الزرقاء للي ما بعرفها) مع بعض الاضافات و المناوشات ناقص بعض الشكليات والحوارات

    😀

    بسنس و بينك كنت خايف هيثم شيشاني يتحسس من السولافة
    😛 على راسي

    Reply
  5. @haytham
    لا حساسية و لا شي 🙂

    هذا واقع

    و مسألة المركز و الأطراف مشكلة بكل العالم أكيد

    للأسف عمان -أجزاء منها حتى- هي الأردن زي ما بنقول حتى إحنا

    و الباقي مهمّش

    😦

    Reply
  6. LOL! 🙂
    انا بقول ليش شيشاني بدو يتحسس من الموضوع ؟؟ فكرت كاين كنترول بالزمانات 😉

    والله يا دهمش انا يؤسفني اني بحكي عن هالمشاكل في مدينتي الأم .. بس متل ما قال شيشاني هاد الواقع و هاي المشاكل موجودة و الكل بعاني منها بس مع هيك ما حدا مهتم فيها ولا مفكر انه يحللها !!
    😦

    Reply
  7. Haitham Al-Sheeshany

    أول مبارح كانت أول تجربة من بعد الرجوع إلى الأردن في الباصات
    – لساتو يوم الخميس = مأساااااااااااااااااة

    لول

    كل ما ذكرتيه عشته اللهمّ إلا
    “قلب قلب وين وييييين”
    +
    و للمفاجأة

    لا تدخين!

    Reply
    • أوووه .. والله نيالك يا عم هيثم
      لا هو التدخين في الشتا كارثة لأنك بتكون بين خيارين إما تموت من الدخان نفسه أو من البرد في حال حاولت تهرب للشباك!!
      الله يعين بس!

      Reply
  8. ضحكتيني وانا بشرب قهوة سالم الي بتسم البدن. بس بعد ما قرأت المقالة تحسن الطعم ههههههه

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: