RSS Feed

Monthly Archives: August 2011

رمضان 1432 هـ – اليوم الرابع عشر

لا أعلم كيف انقضت أيامه حتى أدركنا منتصفه .. لا أعلم متى كبر قمره حتى غدا بهذا الكمال .. ضيفنُا الذي رحبنا به منذ أيام صار من واجبنا أن نبدأ مراسيم وداعه الآن.

رمضان هذه السنة كان مختلفا حقا … يسعدني أنني امتلكت فيه تجربتي الخاصة و التي خلصت منها بنتيجتين؛

أولا، الله جعل فرصنا في التوبة و العودة إلى الصواب مفتوحة و مستمرة على الدوام، لا شيء في الاسلام يدعى “لقد فات الأوان” ما دامت الروح تدبّ في الجسد. في هذه اللحظة و بعد انقضاء أربعة عشر يوما لو وجدت أنك لم تكن عابدا  لله كما يجب، مستثمرا لوقتك كمايجب، محافظا على صلاتك كما يجب، قارئا لقرآنك كما يجب .. و قررت أن  البداية ستكون الآن .. فلن يمنعك من ذلك شيء، بل على العكس ستجد أن الله يبارك لك في يومك و وقتك كي يعوضك عما فاتك!

ثانيا، علاقة العبد بالله هي علاقة في غاية الأهمية وفي غاية البساطة أيضا!

عندما نقصّر بحق الله نشعر بأن في داخلنا شيء ما يتناقص و يتناقص حتى يضيع في النهاية، حينها تصبح حياتنا كالبيت الذي تملأه الفوضى، الأشياء فيه كثيرة و متكوّمة و لكنها ليست في مكانها الصحيح … تهاوننا في إعمار علاقتنا بالله ربما لا يُفقدنا أخلاقنا و مبادئنا و قيمنا و لكنه يسلب منا التقدير الحقيقي لهذه المعاني في أنفسنا لذلك قد نصل بعد حين إلى مرحلة النفور من الحياة و استعجال الموت.

عندما تكون علاقتنا مع الله عامرة نحن نشعر بقيمة الأمور البسيطة في شخصياتنا و طبائعنا و تصرفاتنا … و نشعر بشيء آخر لا يمكن قياسه و لا يمكن الاحساس بوجوده إلا بعد فقدانه … الطمأنينة!

عندما نحرص على الحبل الواصل بيننا و بين الله لن نكترث بتقطع الحبال الباقية كلها. و لو اجتمعت الإنس و الجن على ما فيه ضرر لنا سنمتلك القوة الكافية للصبر و الحكمة قبل اتخاذ القرارات و تبني الحلول التي نبتغي فيها دفع ذلك الضرر.

إعادة إعمار الصلة بالله قرار صعب في بدايته و خطواته الأولى ثقيلة و متعبة .. و لكنه يستحق كل هذا العناء، و خطواته اللاحقة أسهل و أكثر متعة!

رمضان 1432 هـ – اليوم الأول

إذن فقد بدأ رمضان! الآن فقط و بعد مرور اليوم الأول .. صدقت.

أنا أحب رمضان كثيرا .. و لا أبالغ اذا قلت بأنه شهري المفضل … ربما هو الشهر المفضل لدى معظم المسلمين لعظم بركته و فضله، و لكنني حتى على الصعيد الدنيوي .. أحبه!
أحب أنه يفرض علينا أسلوبا معينا لقضاء ايامنا و ليالينا .. بين ليلة و ضحاها كل شيء يتغير، كل شيء يصبح له معنى مختلف .. كل شيء يصبح له معنى!
و نحن نتقبل هذا التغيير بصدر رحب!

اليوم الأول كان لطيفا نوعا ما .. أحببت تبادل المباركات في أول الصباح،
أحببت أنني لم أتنشق رائحة الدخان طوال النهار،
أحببت أنني لم أسمع أو أرَ ما يؤذيني …
أحببت وقت صلاة الظهر عندما كان المكان المخصص للصلاة في الشركة ممتلئا تماما – على غير العادة!
أحببت أنني لم أشهد تكاسلا أو مللا في العمل وأننا أدينا وظائفنا بالنشاط المعتاد ..
أحببت كثيرا أن وقت الدوام صار أقصر 🙂

اليوم الأول كان حزينا أيضا .. حزينا أكثر مما ينبغي .. أكثر مما يجب أن نسمح له،
“المجازر” التي تُرتكب في سوريا ..
مجازر! في سوريا! لماذا؟؟
كنت أعتقد أن اسرائيل فقط هي من يقتل الأبرياء و يقصف العزل و يتجاوز الحد في الاساءة للانسانية .. و لكن يبدو أن ثمن الحرية واحد في كل مكان!
اليوم … عندما دعوت الله بأن يفرج حال السوريين … خجلت. لأنني أؤمن بأن للدعاء خطوة تتبعه و هي العمل و أنا لا أملك سوى أن أبصق في وجه ذلك الظالم على بعد شاشات من زجاج و معدن … و الاف الأميال!

اليوم .. عندما أذّن للإفطار بعد خمس عشرة ساعة من الصيام .. تذكرت بأن في وطني العربي بلادا لو رُفع فيها ألف أذان لن يجد سكانها لقمة يفطرون عليها بعد أيام و شهور من الصيام … الصيام الذي لا يؤدي الا للموت!
في الصومال ينتظرون بعد الجوع موتا … ونحن على بعد بحر و دولتين فقط ننتظر بعد الجوع تخمة!
كيف لا أخجل .. و أنا أدعو ألا يموت أخوتي جوعا بينما أتناول طعامي!

اليوم كان حزينا على كل حال … شعرت بأنني أعني أقل في كل يوم للناس الذين أحبهم! تناولت إفطاري وحدي و عرفت أنني و وحدتي سنصبح من أعز الأصدقاء بعد فترة ليست طويلة!

مهما يكن … أنا أوقن بأن رمضان شهر مبارك حقا .. و أعلم أن بركته ستظهر على كل العالم، و أوقن بأن الله الكريم و القادر يبتلي عباده و لكنه يعينهم على الابتلاء، و أوقن بأن الفرج قادم دون شك!

أسأل الله أن يمنحنا جميعا الأهم من الطعام والأهم حتى من الحرية … أسأل الله أن يمنحنا المغفرة و الرحمة و الهداية وأن يكتبنا من أهل الجنة.