RSS Feed

شغف العودة

كانت تريد أن تسميه “أحمد” .. على اسم جدي شبه المتوفّى منذ أربع سنوات! لا أذكرملامحها جيداً، إنما أذكر طريقتها في الكلام، صلابتها و حنانها.. أذكر ملابسها .. كل تلك القطع التي كانت تتفنن في ارتدائها .. لم أكن أملّ من مراقبتها و هي ترتدي لباسها الذي لم يكن يوماً مألوفاً!!! أذكر ضفيرتيها الرماديتين تتدليان من تحت شالها الأبيض الخفيف .. و أكاد أسمع صوتها وهي تهدهد له:

يا خالد يا خيرتهم … و زينة شباب حارتهم

أسميناه “خالد” .. ولم نفكرفيما إذا كانت ستنزعج … هي لم تبدِ أيّ اعتراض … على العكس .. كانت تتلقفه وتغني له و كأن كل الأغاني التي تحفظها .. أو تؤلفها ربما .. صُنعت لأجله!

أتمّ خالد عامه التاسع منذ أيام … أكاد لا أصدق أن جدتي تقطن التراب منذ تسعة أعوام!

لولا جدتي لم أكن لأعلم أننا كان يجب أن نبني بيتنا في مكان آخر! حين كانت تأتي كانت تتردد على مسامعي كثيرا كلمات: الدير* .. الأرض .. الدار .. و حين كانت تغادر كانت تقول: بدي أروّح …

عندما صرت أركز أكثر على كلمة: نروّح .. صرت أسمعها أكثر .. وأحبها أكثر …

نروّح .. يعني نعود .. يعني نحن الآن راحلون، مرحلّون .. مغتربون، متغرّبون .. مهاجرون، مهجّرون … أو لاجئون! أياً كان التعبير .. المهم أننا الآن خارج بيوتنا .. و يجب أن نعود

أذكر أن جدتي كانت تحمل مفتاح بيتنا دائما … و تزرع في داخلنا شغفا و لهفة إليه .. دائما

لا أعلم إن كانت المفاتيح تُدفن مع أصحابها أو تُنقل ملكيتها إلى ورثتهم .. ما أعلمه أن جدتي الآن تقطن التراب .. ربما مع مفتاحها .. و لكنها لم تفعل إلا بعد أن جعلت شغفا يقطنني اسمه شغف العودة!

حتى خالد الذي لا يذكر ضفيرتيّ جدتي ولا صوت هدهدتها حتى … يقطنه شغف العودة!

ربما لم نتمكن من توريث بيوتنا و أراضينا و أسماء شوارعنا .. لكن ما زال لدينا مفاتيح و شغف .. لنورِّثها

*دير الغصون – طولكرم

Advertisements

About Yasmin Badran

Software Developer

6 responses »

  1. Haitham Al-Sheeshany

    الكلمات / الصورة

    و الله روعة

    أمل + ألم

    😦

    Reply
  2. إن لنا لحقّاً وإنا لعائدون.
    حتما عائدون…

    Reply
  3. I love the passionate keys you extend to your readers through such a delicate style!

    Reply
  4. أكثر من رائع ومؤثر الى أقصى درجة
    صحيح ان بعضنا قد مات ولكن هنالك من يزال حيا,فنقسم سنبى لاننا وارضنا و الحق اكثرية

    Reply
  5. هو لن يعود أولا تعلمين فقد أسرته آلهة البحار آلهة اللؤلؤ و المرجان، سحر المال أنساه أن له وطناً وحبيبة، لم تنتظرينه أصلاً و خصلات شعرك لم يصنها سندباد من دمار هو لن يعود

    Reply
  6. الله يرحم جدتك
    وشكرا الها ولكل الجدات والاجداد لتوريثنا هالميراث العظيم
    مسؤوليتنا أكيد انو نورثو للجيل القادم
    =)

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: